عثمان ميرغني يكتب: صائد الحسنات..

0 12

رمضان شهر التقاليد الاجتماعية، البنات يغيرن ملابسهن ومظهرهن، المساجد–قبل جائحة كورونا- تزدحم كل الأوقات خاصةصلاة الجمعة، البعض لازم مسبحته ليلا ونهارا بعد أن ينفض عنها غبار عام كامل.. مشهد أقرب إلى اعلان حالة طوارئ تنتهي مع اطلالة شهر شوال.
وفي خاطر كل مسلم أن انقطاعه نهارا عن الماء والطعام والملذات، عمل محسوب بمثقال “الحسنات” التي يجمعها، فإذا اجتهد وزاد عليها صلاة التراويح وربما التهجد في العشر الأواخر فإنه يرفع كثيرا حصاد “الحسنات” التي يجنيها.
وإذا ما تعززت اللوحة بزيارات للأهل وصلة للأرحام فإن صيد “الحسنات” يعلو كثيرا. وتلاوة القرآن، بمقياس “الختمة”، كم مرة في الشهر يكمل قراءة المصحف الشريف.. فالذي يختم مرة واحدة هو المترفق، و يرتفع المقياس صعودا –رقميا- ختمتان، ثلاثة، بل هناك أهل العزم من يجعلها عشر ختمات بمعدل واحدة كل ثلاثة أيام.. حصاد “الحسنات” يجعل التركيز في الأرقام، فتصبح التلاوة أحيانا مجرد “همهمة” لا يفهمها من يسمعها ولا يعيها من ينطقها.
الله سبحانه وتعالى اشترط “الوعي” ركنا لصلاح قبول العبادة، فهل “الوعي” هو مجرد “الادارك” بمطلوبات التعبد الجسدية والنفسية؟ فمثلا، يدرك أن صلاة العصر أربع ركعات تفصل كل منها سجدتان، ثم تنتهي بالتسليم فتصبح صلاة مقبولة لمجرد كونها استوفت معاييرها الحركية الحسية.
في الآية الكريمة :
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) سورة الأحزاب “35”..
تدرجت الآية في توصيف الأعمال الصالحة لتجعل في سقفها الأعلى ، (والذاكرين الله كثيرا، والذاكرات..) فما المقصود من “الذكر” هنا؟
في سياق الفهم الخاطئ الذي حول العبادات إلى عملية حصد “الحسنات” عدديا لا أكثر، يظن كثيرون أن “الذكر” هو نطق المفردات الدينية المقدسة جهرا أو سرا، مثل تكرار اسم الجلالة مجردا أو مقرونا بصفاته. وهذا الفهم الخاطئ أفرغ العبادة من معناها، وجعلها مجرد قشور مظهرية تستهدف جمع “الحسنات” لا أكثر.
والحقيقة أن الذكر هو ما تعنيه المفردة الإنجليزية “Consciousness” ، أي الاحاطة الحسية والنفسية بالموجودات المادية والقيمية. وهي بهذا المعنى “ادراك” متنامي، له قيمة أدنى صغرى ، وأخرى أعلى كبرى. الأدنى هي ما تمثله “الغزيرة” التي يشترك فيها الإنسان والحيوان، والأعلى هي سنام الاعتقاد والاخلاص الديني.
عندما يردد الإنسان كلمات متكررة بلا تركيز أو ادارك فهو يمارس الحد الأدنى “الغزيرة”، وعندما يرتقي الإنسان في مسلكه الخاص والعام باداركه الاعلى يصبح في سنام الاعتقاد في القوة المطلقة للكون.
الارتباط بفكرة “صيد الحسنات” تحول المرء إلى “حصالة” ناقصة وعي بالمعاني العليا التي أرادها الدين، لأنها تربط العمل بـ”وعي” العائد منه، لا بـ”وعي” القيم التي فيه.
مثلا؛ يبادرك بالسلام لأن وعيه أن في ذلك “عشر حسنات”، لا وعيه بمعاني السلام الحقيقية التي ترسخ للإخوة الانسانية بغض النظر عن العرق والجنس واللون والثقافة أو حتى الدين.

صحيفة التيار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.