الباقر عبد القيوم يكتب .. يابرهان .. إنتهي الوقت المقرر .. ضع القلم ثم أجمع الورق

0 38

همس الحروف

الباقر عبد القيوم علي

من المؤشرات الخطيرة التي نراها تسيطر على الساحة السياسية السودانية اليوم هي فراغ المحتوي من مضمون القيم الوطنية عند اللاهثين لأجل حكم البلاد ، فالقائمين على أمرها الآن يسيرون كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، و من عارضهم لا يعي أن المعاضة تعد أحد المظاهر الصحية المطلوبة إذا كان هدفها هو الإصلاح و الإصحاح و تقويم المعوج عبر الوسائل السلمية المشروعة ، فنجدهم قد ميعوا القضية بتسليم إمور كبارنا لصغارنا فأحدثوا هرجاً و مرجاً في العملية السياسية برمتها ، فلا الحكومة حكومة و لا المعارضة معارضة ، حيث نجد أن كل المتصارعين لأجل إدارتها ينخفض عندهم مؤشر القيم الوطنية ، أو يكاد ينعدم عندهم تماماً ، فجلهم يتحدث بلغة تحمل مفاهيم المصالح الوطنية و الخوف على الوطن من عدو مجهول ، و لكن نجد أن أهدافهم التي يلهثون خلفها تنحصر فقط في مصالح خاصة جداً و ليس للوطن فيها شأن ، و من أجل هذا يتجملون بطريقة تناقض باطن ما تحمل ضمائرهم من مكر .

لا يختلف إثنان في أن ما يمر به السودان من أزمة سياسية حادة تسبب فيها سعادة الفريق عبد الفتاح البرهان ، و حيث ما زال يسير في نفس الدرب الذي سيقود السودان في مقبل الأيام القليلة القادمة إلى ما لا يحمد عقباه إذا إستمر في السير في هذا النفق المظلم ، و سيزداد المشهد تعقيداً إذا ظن أن الحلول الإمنية ستفضي إلى نتيجة إيجابية ، و كما سينضب معين هذه المؤسسات الامنية عاجلاً و خصوصاً بعد إن أصبحت الشرطة هي المؤسسة الوحيدة التي تتحمل كل نتائج تخبط قرار القصر الجمهوري ، و هي التي تقوم بتسديد فاتورة هذا الهرج من رصيدها البشري على مستوى القيادة و القاعدة ، الشيء الذي زاد معه تململ منسوبيها على نفس المستويين القيادي و القاعدي ، و خصوصاً و هم يواجهون هجمات شرسة من قبل المتظاهرين أفضت إلى إستشهاد العميد شرطة بريمة ، و أن في وسط منسوبيها أعداد إصابات متفاوتة لا يستهان بها في صف الجنود ، إلا ان التسوية السياسية لأجل تهدئة الشارع دائماً تأتي كأداة تحلق رؤوس هيئة قيادتها مما أفقد المؤسسة أفضل الخبرات .

حالة ميوعة المشهد السياسي تتحكم فيه كثير من الأيادي و هذه المرة لا نستطيع أن نقول عنها أيادي خفيه كما يروج البعض لذلك في السابق ، بل هي معلومة و هي تخدم أجندة واضحة المعالم كوضوح الشمس في كبد السماء ، تشبه في شكلها و نوعها إختبارات الكتاب المفتوح Open Book exams ، و يعتمد هذا النوع من الإختبارات في مدارس و جامعات أوروبا و أمريكا و يصنف كأحد أنماط الإختبارات الفعالة ، التي لا تبحث عن الإجابة بصورة مباشرة كما كتبت في الكتاب ، بل تسعى في إستنطاق ما ورائها من معلومات ، فهى من أجل تحدي قدرة العقل بهدف قياس درجات مستويات إستيعاب المادة كعلم و إكتشاف مدى قدرة الطالب على البحث و الإدراك و إيجاد الأبعاد الخفية بعيدة المرامي بصورة أكبر من الفهم العادي للامور ، و هذا ما يحاكي المشهد السوداني المفضوح و العاجز عن ستر عورته لضعف قيادته السياسية ، حيث إتضح لنا ذلك جلياً في ما تقوم به البعثات الدبلوماسية لدول الإتحاد الأروبي و أمريكا و المبعوث الأممي فولكر ، و يجري ذلك بمساعدة العملاء الذين لم يتركوا لنا عدواً و الإ إستعانوا به ضد بلدنا و مؤسساته الأمنية .

فيا سعادة البرهان أنت من وليت نفسك علينا حيث لم تكن لنا الخيرة لنأتي بك أو بغيرك ، و ما فرضه الوضع عليك أن السودان قد أصبح أمانة في عنقك ، فلما نراك تقف هكذا على حافة الخط الرمادي ، و الخناق يضيق علينا يوماً بعد يوم ، فإذا كان ذلك لعجز فيك فحواء السودان ولادة ، و إن كان خوف فليس لك ما تخاف عليه ، فها هو الحوثي يتوعد السودان بضربات محددة في بعض الاماكن الحيوية و الحساسة ، و حيث اننا لا نمتلك مثل هذه الاماكن موضوع التهديد ، إذن فإن الأمر لا يعنينا في شيء ، و لهذا لم نضع هذا التهديد في موضع الإعتبار و الخوف المضاد .

يا سعادة البرهان انت ترى كما نرى نحن أن السيادة الوطنية تنتهك أمامك و أمامنا نهاراً جهاراً ، و تتابع معنا هذه المهازل الذي تفقع المرارة بصمت الصعفاء ، و ضعف الجبناء ، و كأنك تنتظر كسفاً من الشمس ، أو معجزة أو تأيداً يأتي إليك من السماء حتى تستطيع أن تحدث بعده فعلاً مضاداً يوقف هذا العبث الدولي في حدود العرف المسموح به ، و كما أن دماء شباببنا قد تناثرت في كل مكان و خضبت كامل أراضي السودان ، و هؤلاء الشباب اليانعين لا يعلمون بأنهم كانوا عبارة عن أدوات تستعمل عند الحاجة إليها ، فتتقاطع عندهم الأجندات و المصالح ، و تسيرهم أيادي خفية تبحث عن السلطة عن طريق تسخين الشارع ، و في ذات الوقت نجد أصحاب هذه الأيادي يجلسون خلسة مع خصومهم من العسكر علهم أن يظفروا لنفسهم بأماكن في قسمة كراسي السلطة ، و ما سيزيد الطين بلة و يستنطق صمت القبور هو الدفع بالشرطة لمواجهة هذا الشارع المحتقن ، و حيث أن خسارة الشرطة لعقيدها بريمة بهكذا بشاعة قد أيقظ في وسط ضباطها مارداً ظل نائماً طيلة الفترات السابقة ، و ما اتوقعه أن صبر الشرطة لن يصمد كثيراً بعد هذا الحادث البشع ، إذا إستمر الحال على ما هو عليه ، و خصوصاً أن الحلول الأمنية لا و لن تصمد كثيراً في ظل دولة منهارة و إقتصاد متهالك تصاحبه ميوعة سياسية حادة ، فخطورة رمادية القرار السياسي و التي تتمثل في التردد و عدم حزم الامور بهذه الصورة التي تنتهجها القيادة سيجعل القوات النظامية تتحمل جميع فواتير هذا الحراك منذ بداية الثورة و حتى تاريخ هذه اللحظة ، و أن ذلك يأتى ذلك على وجهين : الأول سيخضعها إلي المحاسبات الإدارية حال تراخيها في حسم شارع يهدر بلا سقف أو هدف ، و سيفسر عليها تفريطاً ، و أما إذ حزمت أمرها بكل جدية و أفرطت في الحسم سيعد ذلك تجاوزاً فوق الحد المسموح به ، وفي كل الاحوال ستدفع هذه القوات و على رأسها الشرطة الفاتورة مرتين ، مرةً بالإفراط و الأخرى بالتفريط .

فيا سعادة الفريق اول البرهان إن كنت تملك جديداً في جعبتك فعليك ان تأتي به على وجه السرعة حتى نستطيع إيقاف هذا النزيف و الإنهيار ، و إن نفذ ما في كنانك و ليس لك ما تقدمه كحل عاجل و صعب عليك حسم إنتهاك السيادة الوطنية بواسطة دول الإتحاد الاروبي و أعوانهم من حملة الرقم الوطني فأعلم أن الزمن المقرر لك قد إنتهى .. فيجب عليك بكل سماحة قلب أن تضع القلم .. ثم أجمع الورق .

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تعليقات
Loading...