لا تتعجلوا في أحكامكم يا سادة

0 19

همس الحروف

الباقر عبد القيوم علي

بعد أن تم نشر مقالي و الذي كان بعنوان عبد الرحيم دقلو .. رقم وطني مميز لن يخطئه المدح و الثناء أبداً ثار جدل كثيف غير مسبوق حول هذا المقال و تباينت الأراء ما بين رافض شرش للموضوع في أصله و منتقد بتعقل و متحفظ ، و لكن بعض المتعجلين في الأحكام و خصوصاً الذين تحملهم العواطف المشبوبة كالوا على بحمل بعير و زادوا في قبيح الظن .

و لعل من أميز ما يميز مجتمعنا السوداني هذا هو تخوين الآخر الذي لا يتفق معه في الرأي حيث جاءت كل مواقفهم هذه على خلفية الظروف الإستثنائية التى تشهدها البلاد حالياً .

كنت مقيماً في إحدي الدول العربية و التى جاء إليها جون قرنق زائراً و كان ذلك في الوقت متمرداً ضد حكومة الإنقاذ ، و في أشد حربه ضدها ، فذهبت إليه في مكان إقامته و رحبت به كضيف عزيز و رمز من رموز بلادي و دعوته لمأدبة عشاء ترحيباً به و من معه و لقد لبى الدعوة بعد أن علم بحسن نواييا و خلوها من الغرض السياسي الرخيص و لقد فرح بها كثيراً و التي كان لها أثرها الطيب فيما بعد ، و لكن سرعان ما أن قام الكثيرين من أنصار الحكومة وقتها بتدبيج التهم التي كانت تصرف بوصفات تخوينية عالية و هنا بدأت تظهر نظريات المؤامرة بكل أنواعها ضدي .

و لكن دوام الحال كان من المحال و سرعان ما تبدلت المواقف ضد الرجل حيث صار عدو الأمس هو صديق اليوم و هذا هو حال السياسة و الساسة أصحاب الأفق الضيق الذي لا تتسع قلوبهم لمن خالف رؤيتهم ، و لا يعرفون الوسطية و لا يميزون بين نوعية العلاقات الإجتماعية و الأخري التي يكون لها خلفيات مأدلجة قد تحمل في طياتها أغراض مدسوسة أو معلنة .

اقسم باللهفحينما بدأت مفاوضات نيفاشا ، حيث أصبحت أنا وقتها رسول السلام الذي يثق فيها الطرفان ، فالمواقف دائماً متغيرة هكذا و لا تدوم ، و لهذا يجب أن تتسع قلوبنا على تحمل الآخرين و إن إختلفنا معهم في الآراء و المواقف ، و لعل الكثيرين كانوا قبل ال 25 من إكتوبر يهتفون بحياة الدكتور حمدوك و اليوم عندهم أصبح خائناً أشر لمجرد أن تحرك مؤشر الأفكار و القناعات عنده .

حينما دب الخلاف داخل مؤسسة الرئاسة تبنيت أنا و مجموعة من مدراء الجامعات مبادرة لرأب صدع المؤسسة الرئاسية و كان على رأسها بروف هنود أبيا كدوف مدير جامعة أفريقيا العالمية و التي قبلها الشق العسكري و تحفظ عليها الشق المدني و رفضتها حاضنهم السياسية و كان رفضهم لها بغرور إلى أن حدث ما حدث و حينها وقع الفأس على الرأس ، و خرج الشارع رافضاً لذلك و مطالباً بعودة حمدوك إلى موقعه حيث كان هذا المطلب هو الأوحد.

و عندها قمنا مرة أخرى بتفعيل مبادرتنا و وجدنا هنالك من يحمل نفس همنا بيد أنه كان يقاتل بضراوة أشد من قتالنا لعودة حمدوك لموقعه و كان صادقاً و متفانياً في أدائه و الخير بالخير يذكر ، و إن إختلف البعض معه و لكن المواقف لا تغير الحقائق أبداً .. فاحيانا” يكون هنالك إختلاف في درجة الفهم و التحليل والقياس .

و لكن تظل الحقائق ثابتة كالجبال الراسيات ، فكان هذا الجندي المجهول هو السيد عبد الرحيم دقلو قائد ثاني الدعم السريع الذي كان يتخفى من الإعلام من باب قضاء الحوائج بالكتمان .فالناشطون المحمولون على العواطف دائماً يتعجلون في إصدار الأحكام التى تخرج منهم أحياناً بدون تريث في التفكير و معظمهم ينظرون للأمور بقصر نظر شديد و لا يحاولون قراءة الأحداث إلا من باب زاويتهم الحرجة والتي دائماً تكون مبنية على النظرة الضيقة جداً التي لا تتسع إلا لفكرتهم ، فيسعون بكل ما يستطيعون في كيل النقد و تخوين كل من خالفهم .

فالسيد عبد الرحيم دقلو قام بعمل جبار و هو عودة الدكتور حمدوك لموقعة ، و حينما عاد تباينت عند ذلك المواقف و إنقسم الشارع و أنصاره إلى قسمين ، فمنهم من خونه في البداية و لكن سرعان ما تراجع عن ذلك التخوين ، و منهم من مضى في فكرته و إعتبر أن حمدوك كان جزءاً من المؤامرة ، إذا كانت هنالك في الأصل مؤامرة .فلقد تحول مقالي إلى حالة عند البعض على الرغم من أنه كان مقالاً لا يحمل إلا إثبات حق في حق رجل قام بعمل وطني جبار يستحق عليه كيل من المدح و الثناء على الرغم من أن حرية الرأي مكفولة للجميع ، و كان من الممكن ممارسة حق النقد بدون إتهام بالباطل أو تجريح أو تخوين .

و لعل سورة الكافرون كانت عبارة عن إعلان واضح و صريح من أجل توضيح المسافات بين البشر في معتقداتهم الدينية و السياسية و جميع القضايا الخلافية .. و على العموم كان هذا هو رأيي في الرجل حول هذه القضية بالذات و بعض القضايا الأخرى .. فأين المشكلة و لماذا الحجر على حرية الرأي ، أنا لم أقوم بإساءة أحد من الناس ..

و لماذا أعطى البعض أنفسهم حق الإساءة لي و بقصد و تعمد ، يريدون ان يسيرون الناس بوجهة نظرهم في الوقت الذي كنت إحترم فيه كل أرائهم و أن إختلفوا معي .. انا لي رأيي الخاص و هم لهم أرائهم .. و أنا أكتب من واقع دفتر أحوالي التي عايشتها من واقع كان ملموساً و بعضهم كان و ما زال يستقي الأخبار من ما يروج في الاسافيرو لكن أريد أن أرد عليهم بقصة الإعرابي صاحب القطيع و ضيفه الشاب الجرئ الذي تفاجأ الإعرابي بمجيئه إليه ، حيث وقف بمكان كان قريباً من قطيعه : و تحدث معه بكل لطف و قال له : إذا قلت لك كم عدد خرافك التي ترعاها فهل سوف تعطيني واحداً منها ؟ ، فظن الإعرابي إستحالة الأمر و لذلك أجابه بعبارة نعم . فحينها أخرج الشاب كمبيوتره ودخل الإنترنت ، ‏وانتقل إلى موقع وكالة الفضاء الأمريكية ، حيث حصل على خدمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية ( جي.بي.إس) ، ثم فتح بنك المعلومات و إسخدم جدولاً في برامج إكسل وخلال دقائق معدودات قال للإعرابي : لديك كذا رأسا من البهائم و أعطاه رقماً ، وكان ذلك الرقم صحيحاً. فقال له الإعرابي متعجباً منه : تفضل باختيار الخروف الذي يعجبك . فترجل الشاب وسار يبحث بين القطيع ثم رفع واحداً منه في صندوق سيارتة الخلفي .و عندئذ قال له الإعرابي : هل لو استطعت أن أعرف طبيعة ونوع عملك هل ستعيد لي خروفي؟ فوافق الشاب على الشرط مستبسطاً عقلية الإعرابي .. و حينها قال له : أنت تعمل مستشاراً ، فدهش الشاب وقال له : هذا صحيح ولكن كيف عرفت ذلك ! فقال له : بسيطة جداً .. أولاً : لقد أتيت إلى هنا دون أن يطلب منك أحد ذلك !. و ‏ثانياً: لقد تدخلت في عملي وأنت لا تعرف شيئا عنه !. و ثالثاً: لقد سعيت لنيل مكافأة كبيرة عن عمل هو في الأصل بسيط و كان عبارة عن سؤال عادي غير ضروري أنت قمت بطرحه على و لم تكن انت تعرف الإجابة عنه إلا بمعينات إستخدمتها لمعرفة ذلك بينما كنت أنا أعرف إجابته سلفاً !. … و أضاف عموماً هذه هي صفات من يسمون أنفسهم بالمستشارين .. و ‏على كل حال أرجو أن تخرج كلبي من صندوق سيارتك فإنه ليس خروفاً !!فهذا هو حال أكثرنا نقوم بإنتقاد بعضنا في أي أمر دون أن نبحث في التفاصيل ، و يظن من يقوم بذلك أنه هو من يعلم بكل شيء و هو في الأصل بدون علم يجعله يقيم أداء الآخرين .. أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع الذي ينفعنا في بناء ذاتنا و أوطاننا .

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تعليقات
Loading...
error: عفوا لا يُسمح بنسخ محتوى الموقع